وما زال دم كليب ساخنا.. (تركي الحمد) نقلا عن الشرق الأوسط
كانت رائحة الطائفية والحقد والتشفي والأخذ بالثأر واضحة في لقطات إعدام الرئيس الراحل صدام حسين. هذه اللقطات التي تلخص في لحظات قصيرة، تاريخاً طويلاً من طبيعة العلاقات بين البشر في هذه المنطقة المبتلاة من العالم، بدءاً من عصور ما قبل الإسلام، مروراً بتاريخ الإسلام، وصولاً إلى العصور الحديثة. كان واضحاً أن الذين ينفذون حكم الإعدام، لا يفعلون ذلك على أساس أن القانون حكم بذلك، فقد حكم عليه بالإعدام قبل أن يُحكم عليه بالإعدام، أو أن العقوبة هي نتيجة طبيعية لجرائم الرجل، بل كان الدافع الأساس هو الثأر والتشفي والموقف الطائفي أولاً وآخراً. نعم، لقد طالت جرائم صدام حسين ضد الإنسانية فئات وطوائف وأعراقاً وأقواماً كثيرة، ولكن ما أن سقط، حتى أعدم ثأراً وانتقاماً لجرائمه ضد طائفة واحدة، لا تحقيقاً للعدالة المجردة، وهنا يكمن الخلل، سواء في الطريقة التي أُعدم بها وتوقيتها، أو فيمن قام بالتنفيذ. والحقيقة أن موضوع إعدام صدام حسين ليس القضية هنا، بقدر ما أن تلك الصورة تعكس واقعاً وتاريخاً مليئاً بالعنف والدم، مبعثه مبدأ الثأر بين قبائل وعشائر وأحزاب العرب، منذ أن وجدوا وحتى هذه اللحظة، مما يدعو إلى القول إن ساعة الزمن واقفة عند لحظة لا تتجاوزها في التاريخ العربي: تتغير الأشكال والمضمون واحد.
ففي المجال العراقي الحديث، كان الثأر والتشفي هو مضمون السياسة في بلاد الرافدين. ورغم أن السياسة هي ما يُفترض أن يكون المؤطر لما حدث ويحدث، إلا أن ما في الصدور يفوق كل الأمور. فما حدث في الرابع عشر من تموز عام 1958 مثلاً، حين قام الجيش بانقلابه الدموي، الذي صفى من خلاله الملك فيصل الصغير والأسرة الهاشمية المالكة، وسحل من سحل من رجال العهد الملكي، من دون أن تكون هناك حاجة لذلك، كان الدافع هو شهوة الدم، ولذة الثأر والتشفي. وفي العهد القاسمي، حين تحالف عبد الكريم قاسم مع الحزب الشيوعي للوقوف في وجه المد الناصري، كانت ميليشيات الحزب الشيوعي تقوم بتصفية كل من له علاقة بالفكر القومي أو الحركة القومية، من بعثيين وناصريين وقوميين عرب بدافع سياسي وايديولوجي، وبوحي من مقولات فكر أحادي، إلا أن لذة الدم المراق وجنون الثأر لأيام خوال وثمالة التشفي، دافع لا يمكن إخفاؤه رغم كل ذلك. وعندما قُتل عبدالكريم قاسم في انقلاب البعث الأول عام 1963، قامت ميليشيات البعث بالثأر لما حدث أيام الزعيم الأوحد، فلاحقت الشيوعيين في كل مكان، وهي تشعر بالنشوة في سحلهم وإراقة دمائهم. وعندما عاد البعث ثانية عام 1968، صفى كل من لم يكن بعثياً، وإن تحالف مع بعضهم ظاهرياً.
ومع مجيء صدام حسين، لم يعد الأمر قاصراً على بعث وشيوعية، بقدر ما أصبح الأمر تفريغ مجتمع مدني كامل من كل محتوى وأي محتوى. وبأخذ البعد العربي في الاعتبار، نجد أن الظاهرة العراقية هي ظاهرة عربية عامة، قديماً وحديثاً، وإن وجدت تجسداً أوضح في الحالة العراقية الحديثة. فحين طعن جساس بن مرة كليبا طعنته القاتلة، تعهد الزير سالم أبو ليلى المهلهل، أخو كليب، ألا يشرب الخمر، ولا يقرب النساء والطيب حتى يأخذ بثأر أخيه، بل وبثأر شسع (ما يربط به النعل) نعل كليب، فقامت الحرب بين بكر وتغلب أربعين عاماً، كادت أن تقضي على القبيلتين، قبل أن تخمد جذوتها، وذلك مثل النار التي يخبو أوارها عندما لا تجد شيئاً تأكله. لقد كانت كل المشكلة أن جساساً حمى عجوزاً يُقال لها البسوس، وكانت لها ناقة جرباء رعت في حمى كليب، الذي عندما رآها في حماه، أطلق سهماً على ضرعها فصرعها، وهنا ثارت ثائرة جساس فقتل كليباً زوج أخته جليلة، لا لأن كليباً كان طاغية مستبداً، بل لأنه أهانه وقلل من شأنه، فكانت حرب البسوس. وبذات الدافع قتل عمرو بن كلثوم عمرو بن هند، لأنه أراد إذلال أمه، أو هكذا صور له الأمر، حين أوعز لأمه أن تأمر أم ابن كلثوم بأن تؤدي لها خدمة على مائدة الطعام، فصرخت أم عمرو بالذل الذي أصابها، فقام ابن كلثوم من ساعته وقتل ابن هند وخرج وهو يرتجز قصيدته الشهيرة، التي تشكل أفضل شرح لطبيعة السياسة في عالم العرب حتى هذه الساعة، والتي يقول في بعض أبياتها: «ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلين»، وفي بعضها: «ونشرب إن وردنا الماء صفواً.. ويشرب غيرنا كدراً وطينا، أي «أنا»، ولا أهمية لغيري.
وحرب داحس والغبراء كان سببها في النهاية تبادل عمليات القتل، كل يأخذ بثأر آخر، حتى كانت الحرب التي لم تبق ولم تذر.
وفي الإسلام، وفي العهد الراشد، أو العصر الذهبي للسياسة في التاريخ الإسلامي، قامت المعارك بين علي، الخليفة الشرعي الرابع، وعائشة وطلحة والزبير، ومن بعدهم جاء معاوية بن أبي سفيان رافعاً ذات الشعار، مطالبين بالاقتصاص من قتلة عثمان، أو بعبارة أخرى، مطالبين بالثأر لعثمان، إذ أن القصاص ومعاقبة المجرمين هو من حق الخليفة الشرعي وحده. نعم لقد كانت السلطة في النهاية هي الدافع المحرك، ولكن شعار الثأر هو العنوان المرفوع، وإن غلف بأغلفة أخرى، ومما يدل على ذلك هو أن الدعوة للاقتصاص من قتلة عثمان اختفت ما أن تم الأمر لمعاوية، وسقطت ثمرة الملك بين يديه. وعندما أعلن الحسين بن علي ثورته على يزيد بن معاوية، وغادر مكة ملبياً دعوة شيعته في الكوفة بالقدوم إلى العراق لمبايعته والوقوف إلى جانبه، قُتل في كربلاء بعد تخلي شيعته عنه، وهنا كانت المأساة التي كانت البداية الحقيقية للتشيع، كحركة سياسية، ومذهب مستقل، أصبح شعاره الرئيس: «يا لثارات الحسين». وعندما سقطت ثمرة الملك في يد بني العباس، قاموا بتصفية كاملة لكل من فيه عرق أموي، بل أنهم نبشوا قبور الخلفاء من بني أمية، وصلب ما كان سليماً من جثثهم، في حركة تنم عن التشفي والأخذ بالثأر، حتى ممن هم في القبور.
أجل، اللحظة الزمنية العربية متوقفة عند نقطة معينة، منذ قتل جساس كليباً، وحتى يوم إعدام صدام حسين: لحظة تدور حول نفسها في عمليات ثأر وتشف و«نشرب حين نرد الماء صفواً.. ويشرب غيرنا كدراً وطينا» (ولماذا لا يشرب الجميع الماء صفواً؟)، سواء في العلاقات بين أطياف المجتمع المختلفة، أو في العلاقات مع أطياف العالم المختلفة. قد تكون القبيلة ذات يوم هي الباعث على الثأر والتشفي، وقد تكون العائلة ذات يوم آخر، وقد تكون الطائفة اليوم والحزب بالأمس، وقد يكون الشعار قبلياً أو قومياً بالأمس، أو دينياً اليوم، ولكن تتغير الأشكال وشهوة الدم واحدة.
ما يجري في العراق، بل وما يجري في لبنان والسودان والجزائر والصومال وغيرها مما يحمله الرحم العربي، هو نتيجة ثقافة متحجرة تأبي أن تتغير، أو يؤبى عليها أن تتغير، فهي ذاتية الإنتاج بشكل غريب، محمية بحراس أشداء، حتى أن ديناً مثل الإسلام لم يستطع أن يروضها إلا لفترة وجيزة، ثم استوعبته هي، وتحولنا إلى طوائف ومذاهب وعصبيات وقبائل وعشائر وعادات وتقاليد، وقتل الجميعُ الجميعَ دفاعاً عن الإسلام، بينما هي السلطة والثروة والعصبية والجهل من يقف وراء كل ذلك، البعض يفعل ذلك عن وعي وعلم، والبعض عن جهل وعقل لا يعرف إلا التعصب سبيلا. لم يمت المهلهل ولا برد دم كليب ولا انتهت مناوشات بكر وتغلب وغرور ابن كلثوم، فما زالوا يعيشون بين ظهرانينا، حتى نقرر متى نطردهم، ولكن متى؟ هنا يكمن السؤال.
رد علي المقالة :-------------------------------
كما وصف الدكتور الحمد .. المسألة " تشفي " ..
كل شخص يحاول يدعم بمقتل صدام رأيه وفكرته ..
وهناك مبالغة في تصوير الحال " العربي والإسلامي " بالذات ..
فقتل الأمريكان لولدي صدام من قبل بتلك الطريقة .. بل و " ثأرهم " لأحداث سبتمبر بقتل عشرات الآلاف في كابل وبغداد ! .. أليس " شهوة دم " ! .. أم أن الأمر مقصور على العرب وعلى كل من له علاقة بالبسوس وناقتها ! ..
لقد اقتتل الأوروبيون وحصلت بينهم مجازر قُتل فيها عشرات الملايين منهم .. وكذا الحروب الأهلية بينهم والحرب الاهلية في أمريكا .. مع أنهم ليسوا عربا .. ولا جدّتهم البسوس ! .. ولا حتى عندهم نياق
وحروب كثيرة في كل مكان .. لم تقف .. من بعد ما حصل بين ابني آدم !
الواقع أن هذا الإنسان .. لم يروضه شي كما فعل الإسلام به .. وقد تحول ذاك المجتمع الذي أشار إليه الدكتور قبل الإسلام إلى مجتمع " ذهبي " خلال فترة قصيرة جدا .. وبالتزام " القانون الإلهي " الذي رباهم على (( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا .. )) و (( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )) .. وعلى كل أسباب " رفع الظلم "
عندما حذر الرسول ممن هم على شاكلة " ذي الخويصرة " .. فقال : ( إنه يخرج من ضئضي هذا – أي من جنسه – قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم .. )
تحذير من صفات القسوة والجهل والتعصّب ..والإسلام منها براء ..
ثم بدأ الرفض بـ " الخروج " .. وبدأت حركتهم بتأليب الناس على " عثمان " ـ رضي الله عنه ـ فحاصروه .. ومنعوه الماء .. ثم قتلوه بطريقتهم .. ثم حصل ما حصل من اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم : هل نقتص من قتلة عثمان أولا .. أو نؤجل الأمر إلى ما بعد اجراءات البيعة ! .. واستغل قَتَلة عثمان هذا الاختلاف .. لايقاع الفتنة بين المسلمين .. ونجا قتلة " الخليفة الراشد " من القصاص .. حتى بعد سنوات ! ..
ثم خرجت فرقة ـ من نفس نوعية قتلة عثمان ـ فخرجت على علي رضي الله عنه .. وقتلوه ..
قواسم مشتركة .. بين قتلة عثمان .. وقتلة علي .. القسوة والجهل ..
ثم تنازل الحسن رضي الله عنه لمعاوية ـ مع أنه كان الأولى بالخلافة ـ لحقن دماء المسلمين .. حدث هذا قبل ما يقارل الـ 1400 سنة ! .. لكن الذين رفضو " زيد بن علي فقط لأنه ترضى على أبي بكر وعمر " لم يرضهم موقف الحسن إلى اليوم !!! .. وما زالوا يبحثون في " معاوية " .. ويكفرون كل من لم يكفر معاوية ! .. بل تجاوزوا هذا إلى " أبي بكر وعمر وزوج النبي وعامة الصحابة " !! .. واختلقوا أنواع السيناريوهات تأييدا لفكرتهم الشاذة .. وصار كل الناس عندهم " أعداء الآل " لأنهم لم يكفروا غيرهم ..ولم يرفعوهم إلى منزلة المعصومين ! .. وهكذا .. بنوا دينهم على " معصومين " و " ثارات " و " عداوات " و " رفض " و " المنتظر " و " عرب " و " فرس " !!
ولست بحاجة إلى بحث .. فقط تأمل " احتفالات الثارات " التي تنمّي " الحقد " و " البغض " سنويا ! .. وموقفهم من عامة المسلمين صحابة وتابعين وإلى اليوم !
!!
لا يختلف المسلمون على أن الصحابة كلهم ـ بلا استثناء ـ بشر يصيبون ويخطئون " ويختلفون " وهم غير معصومين .. ولذا فمن السهل عليهم فهم الأحداث بسياقها الطبيعي .. بينما لم يفهم الخوارج معنى " الاحتكام " .. ولم يفهم الرافضة معنى " حب الآل " !
وبـ " الجهل " .. و " القسوة " .. و" التعصب " .. يرى الرافضة أن مهديهم .. سيُخرج أبا بكر وعمر من قبريهما .. ويقتص منهما !!
فالرفض والخروج .. وجهان لعملة واحدة .. الفرق .. أن أولئك بنكهة فارسية !