(أمير الشعراء أحمد شوقي)
(أمير الشعراء أحمد شوقي)
أربعة قصائد مبهرة لأمير شعراء العصر الحديث أحمد شوقي، ذاك الشاعر المبدع الخلّاق، الذي قال عن نفسه: (سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب)، الذي هو من كبار شعراء العرب في كل العصور والأزمان، فهو بجوار المتنبي وامرؤ القيس يعد من أفضل شعراءنا،فقد أصدر أكثر من 350، بها أكثر من 11 ألف بيت شعر، فلم أدري أي قصيدة أضع له، فاصطفيت أربعاً منها، في كل واحدة عبرة وموعظة وجمال وإبداع، وفن ومهارة.
*القصيدة الأولى: (أَرى شَجَراً في السَماءِ اِحتَجَب) [21بيت]
أَرى شَجَراً في السَماءِ اِحتَجَـــب***وَشَقَّ العَنانَ بِمَرأى عَجَـــــــــــب
مَآذِنُ قامَت هُنا أَو هُنـــــــــــــاكَ***ظَواهِرُها دَرَجٌ مِن شَـــــــــــــذَب
وَلَيسَ يُؤَذِّنُ فيها الرِجــــــــــــالُ***وَلَكِن تَصيحُ عَلَيها الغُــــــــــــرُب
وَباسِقَةٍ مِن بَناتِ الرِمــــــــــــالِ***نَمَت وَرَبَت في ظِلالِ الكُثُـــــــــب
كَسارِيَةِ الفُلكِ أَو كَالمِسَـــــــــــل***لَةِ أَو كَالفَنارِ وَراءَ العَبَـــــــــــــب
تَطولُ وَتَقصُرُ خَلفَ الكَثيــــــبِ***إِذا الريحُ جاءَ بِهِ أَو ذَهَــــــــــــــب
تُخالُ إِذا اِتَّقَدَت في الضُحــــــى***وَجَرَّ الأَصيلُ عَلَيها اللَهَـــــــــــــب
وَطافَ عَلَيها شُعاعُ النَهــــــــارِ***مِنَ الصَحوِ أَو مِن حَواشي السُحُب
وَصيفَةَ فِرعَونَ في ساحَـــــــــةٍ***مِنَ القَصرِ واقِفَةً تَرتَقِــــــــــــــــب
قَدِ اِعتَصَبَت بِفُصوصِ العَقـــيقِ***مُفَصَّلَةً بِشُذورِ الذَهَـــــــــــــــــــب
وَناطَت قَلائِدَ مَرجانِــــــــــــــها***عَلى الصَدرِ وَاِتَّشَحَت بِالقَصَـــــب
وَشَدَّت عَلى ساقِها مِــــــــــئزَراً***تَعَقَّدَ مِن رَأسِها لِلذَنـــــــــــــــــــَب
أَهَذا هُوَ النَخلُ مَلكُ الرِيــــــاضِ***أَميرُ الحُقولِ عَروسُ الـــــــــعِزَب
طَعامُ الفَقيرِ وَحَلوى الغَنِـــــــــيِّ***وَزادُ المُسافِرِ وَالمُغتَــــــــــــــرِب
فَيا نَخلَةَ الرَملِ لَم تَبخَـــــــــــلي***وَلا قَصَّرَت نَخَلاتُ التُــــــــــــرَب
وَأَعجَبُ كَيفَ طَوى ذِكرَكُـــــنَّ***وَلَم يَحتَفِل شُعَراءُ العَـــــــــــــــرَب
أَلَيسَ حَراماً خُلُوُّ القَصــــــــــــا***ئِدِ مِن وَصفِكُنَّ وَعُطلُ الكُتُــــــــب
وَأَنتُنَّ في الهاجِراتِ الظِــــــلالُ***كَأَنَّ أَعالِيَكُنَّ العَبَـــــــــــــــــــــــب
وَأَنتُنَّ في البيدِ شاةُ المُعيـــــــــلِ***جَناها بِجانِب أُخرى حَلَـــــــــــــب
وَأَنتُنَّ في عَرَصاتِ القُــــــصورِ***حِسانُ الدُمى الزائِناتُ الرَحَــــــب
جَناكُنَّ كَالكَرمِ شَتّى المـــــــــَذاقِ***وَكَالشَهدِ في كُلِّ لَونٍ يُحَـــــــــــب
-القصيدة الثانية: (يحكون أن أمة الأرانب) [24 بيتاً]
يَحكونَ أَنَّ أُمَّةَ الأَرانِـــــــــــــبِ***قَد أَخَذَت مِنَ الثَرى بِجانِـــــــــــبِ
وَاِبتَهَجَت بِالوَطَنِ الكَريـــــــــــمِ***وَمَوئِلِ العِيالِ وَالحَريـــــــــــــــــمِ
فَاِختارَهُ الفيلُ لَهُ طَريقــــــــــــــا***مُمَزِّقاً أَصحابَنا تَمزيـــــــــــــــــقا
وَكانَ فيهِم أَرنَبٌ لَبيـــــــــــــــبُ***أَذهَبَ جُلَّ صوفِهِ التَجريـــــــــــبُ
نادى بِهِم يا مَعشَرَ الأَرانِــــــــبِ***مِن عالِمٍ وَشاعِرٍ وَكاتِـــــــــــــــبِ
اِتَّحِدوا ضِدَّ العَدُوِّ الجافـــــــــــي***فَالاتِّحادُ قُوَّةُ الضِــــــــــــــــــعافِ
فَأَقبَلوا مُستَصوِبينَ رايَـــــــــــــه***وَعَقَدوا لِلاجتِماعِ رايــــــــــــــــَه
وَاِنتَخَبوا مِن بَينِهِم ثَلاثَـــــــــــــه***لا هَرَماً راعَوا وَلا حَداثَــــــــــــه
بَل نَظَروا إِلى كَمالِ العَقــــــــــلِ***وَاِعتَبَروا في ذاكَ سِنَّ الفَضــــــلِ
فَنَهَضَ الأَوَّلُ لِلخِطـــــــــــــــابِ***فَقالَ إِنَّ الرَأيَ ذا الصـــــــــــَوابِ
أَن تُترَكَ الأَرضُ لِذي الخُرطـومِ***كَي نَستَريحَ مِن أَذى الغَشــــــــومِ
فَصاحَتِ الأَرانِبُ الغَوالـــــــــي***هَذا أَضَرُّ مِن أَبي الأَهــــــــــــوالِ
وَوَثَبَ الثاني فَقالَ إِنّـــــــــــــــي***أَعهَدُ في الثَعلَبِ شَيخَ الفَــــــــــــنِّ
فَلنَدعُهُ يُمِدُّنا بِحِكمَتِـــــــــــــــــهِ***وَيَأخُذُ اِثنَينِ جَزاءَ خِدمَتِــــــــــــــهِ
فَقيلَ لا يا صاحِبَ السُـــــــــــمُوِّ***لا يُدفَعُ العَدُوُّ بِالعَـــــــــــــــــــــدُوِّ
وَاِنتَدَبَ الثالِثُ لِلكَــــــــــــــــلامِ***فَقالَ يا مَعاشِرَ الأَقـــــــــــــــــــوامِ
اِجتَمِعوا فَالاِجتِمــــــــــــــاعُ قُوَّه***ثُمَّ احفِروا عَلى الطَريقِ هُــــــــوَّه
يَهوي إِلَيها الفيلُ في مــــــُرورِهِ***فَنَستَريحُ الدَهرَ مِن شـــــــــــُرورِهِ
ثُمَّ يَقولُ الجيلُ بَعدَ الجيــــــــــلِ***قَد أَكَلَ الأَرنَبُ عَقلَ الفيــــــــــــــلِ
فَاِستَصوَبوا مَقالَهُ وَاِستَحسَــــنوا***وَعَمِلوا مِن فَورِهِم فَأَحسَــــــــــنوا
وَهَلَكَ الفيلُ الرَفيعُ الشــــــــــانِ***فَأَمسَتِ الأُمَّةُ في أَمـــــــــــــــــــانِ
وَأَقبَلَت لِصاحِبِ التَدبيــــــــــــرِ***ساعِيَةً بِالتاجِ وَالسَريــــــــــــــــــرِ
فَقالَ مَهلاً يا بَني الأَوطــــــــانِ***إِنَّ مَحَلّي لَلمَحَلُّ الثانـــــــــــــــــــي
فَصاحِبُ الصَوتِ القَوِيِّ الغالِبِ***مَن قَد دَعا يا مَعشَرَ الأَرانِــــــــــبِ
-القصيدة الثالثة: (وهذه واقعة مستغربة) [18 بيت]
وَهَذِهِ واقِعَةٌ مُستَغرَبَــــــــــــــــــــــــــــــه***في هَوَسِ الأَفعى وَخُبثِ العَقرَبـَه
رَأَيتُ أَفعى من بَناتِ النيـــــــــــــــــلِ***مُعجَبَةً بِقَدِّها الجَميــــــــــــلِ
تَحتَقِرُ النُصحَ وَتَجفو الناصِحــــــــــــا***وَتَدَّعي العَقلَ الكَبيرَ الراجِحا
عَنَت لَها رَبيبَةُ السَـــــــــــــــــــــــباخِ***تَحمِلُ وَزنَيها مِنَ الأَوســـاخِ
فَحَسِبَتها وَالحِسابُ يُجــــــــــــــــــدي***ساحِرَةً مِن ساحِراتِ الهِــــندِ
فَاِنخَرَطَت مِثلَ الحُسامِ الوالِــــــــــــجِ***وَاِندَفَعَت تِلكَ كَسَهمٍ زالِــــــجِ
حَتّى إِذا ما أَبلَغَتها جُــــــــــــــــحرَها***دارَت عَلَيهِ كَالسِوارِ دَورَهـــا
تَقولُ يا أُمَّ العَمى وَالطَــــــــــــــــيشِ***أَينَ الفِرارُ يا عَدُوَّ العَيـــــــشِ
إِن تِلجي فَالمَوتُ في الوُلـــــــــــوجِ***أَو تَخرُجي فَالهُلكُ في الخُروجِ
فَسَكَتَت طَريدَةُ البُــــــــــــــــــــيوتِ***وَاِغتَرَّتِ الأَفعى بِذا السُـــكوتِ
وَهَجَعَت عَلى الطَريقِ هَجعَــــــــــه***فَخَرَجَت ضَرَّتُها بِسُرعَـــــــــه
وَنَهَضَت في ذِروَةِ الدِمــــــــــــــاغِ***وَاِستَرسَلَت في مُؤلِمِ التَلـــــداغِ
فَاِنتَبَهَت كَالحالِمِ المَذعــــــــــــــورِ***تُصيحُ بِالوَيلِ وَبِالثُـــــــــــــبورِ
حَتّى وَهَت مِنَ الفَتاةِ القُــــــــــــــوَّه***فَنَزَلت عَن رَأسِها العـــــــــُدُوَّه
تَقولُ صَبراً لِلبَلاءِ صَبـــــــــــــــرا***وَإِن وَجَدتِ قَسوَةً فَعُـــــــــــذرا
فَرَأسُكِ الداءُ وَذا الـــــــــــــــــدَواءُ***وَهَكَذا فَلتُركَبُ الأَعـــــــــــــداءُ
مَن مَلَكَ الخَصمَ وَنامَ عَنــــــــــــــهُ***يُصبِحُ يَلقى ما لَقيت مِنـــــــــــهُ
لَولا الَّذي أَبصَرَ أَهلُ التَجــــــــرِبَه***مِنّي لَما سَمّوا الخَبيثَ عَقرَبــــَه
القصيدة الرابعة: (الليث ملك القفار) [16بيت]
اللَيثُ مَلكُ القِفــــــــارِ***وَما تَضُمُّ الصَحـاري
سَعَت إِلَيهِ الرَعايـــــا***يَوماً بِكُلِّ اِنكِســــــــارِ
قالَت تَعيشُ وَتَبقــــى***يا دامِيَ الأَظفــــــــــارِ
ماتَ الوَزيرُ فَمَـن ذا***يَسوسُ أَمرَ الضَـواري
قالَ الحِمارُ وَزيـري***قَضى بِهَذا اِختِيــــاري
فَاِستَضحَكَت ثُمَّ قالَت***ماذا رَأى في الحِمــارِ
وَخَلَّفَتهُ وَطارَت***بِمُضحِكِ الأَخبــــــــــــــارِ
حَتّى إِذا الشَهرُ وَلّى***كَلَيلَةٍ أَو نَهــــــــــــــارِ
لَم يَشعُرِ اللَيثُ إِلّا***وَمُلكُهُ في دَمــــــــــــــارِ
القِردُ عِندَ اليَمينِ***وَالكَلبُ عِندَ اليَــــــــــسارِ
وَالقِطُّ بَينَ يَدَيهِ***يَلهو بِعَظمَةِ فــــــــــــــــارِ
فَقالَ مَن في جُدودي***مِثلي عَديمُ الوَقـــــارِ
أَينَ اِقتِداري وَبَطشي***وَهَيبَتي وَاِعتِباري
فَجاءَهُ القِردُ سِرّاً***وَقالَ بَعدَ اِعتِـــــــــذارِ
يا عالِيَ الجاهِ فينا***كُن عالِيَ الأَنظــــــارِ
رَأيُ الرَعِيَّةِ فيكُم***مِن رَأيِكُم في الحِمـارِ
بدر الزمان
|