قصيدة الشاعر والمعلم لإبراهيم طوقان:
(من مواليد 1905 – 1941) كان إبراهيم طوقان الأبرز بين شعراء جيله في فلسطين، وقد كرس معظم طاقته الشعرية لقضية وطنه.
استخدم في شعره اللغة البارعة المحكمة المؤثرة، كما تراوحت مواضيع شعره بين التجربة الذاتية والتجربة الوطنية الواسعة. وهو عندما يكتب شعراً ذاتياً فإن لهجة شعره تجئ رقيقة متوهجة العاطفة، وعندما يكتب عن التجربة الوطنية فإن لهجة هذا الشعر ترواح بين الاحتفال البلاغي بالبطولة والشهامة والتضحية، وبين السخرية الهازلة إذ يهاجم أدواء الوطن وتلك النفوس الصغيرة التي تضافرت على انتهاك حرمة الجهاد وقدسية التضحية.
وهو أبرع الشعراء المعاصرين قبل مظفّر النواب باللجوء إلى السخرية اللاذعة كوسيلة للهجاء السياسي، إلا أنه يظل أكثر حفاظاً على جماليات الشعر وتهذيبه من النواب، حتى في أشدّ قصائده تصويراً هزلياً لمثالب الوطن وعلله.
نشر شعره في الصحف والمجلات العربية وردده الناس في جميع أرجاء العالم العربي. وقد نشر ديوانه بعد وفاته تحت عنوان "ديوان إبراهيم طوقان الشاعر والمعلم"
{قصيدة الشاعر والمعلم}
(شوقي) يقول – وما درى بمصيبتي –.."قم للمعلم وفّه التبجيلا"
اقعد, فديتك، هل يكون مبجلاً..من كان للنشء الصغار خليلاً..!
ويكاد (يفلقني) الأمير بقوله:..كاد المعلم أن يكون رسولا..!
لو جرّب التعليم (شوقي) ساعة..لقضى الحياة شقاوة وخمولاً
حسب المعلم غمَّة وكآبة..مرآى (الدفاتر) بكرة وأصيلا
مائة على مائة إذا هي صلِّحت..وجد العمى نحو العيون سبيلا
ولو أنَّ في "التصليح" نفعاً يرتجى..وأبيك، لم أكُ بالعيون بخيلا
لكنْ أُصلّح غلطة تحوية مثلاً،..واتخذ "الكتاب" دليلا
مستشهداً بالغرّ مـن آياته..أو "بالحديث" مفصلاً تفصيلا
وأغوص في الشعر القديم فأنتقي..ما ليس ملتبساً ولا مبذولاً
وأكاد أبعث (سيبويه) في البلى..وذويه من أهل القرون الأولى
فأرى (حماراً) بعد ذلك كلّه..رفَعَ المضاف إليه والمفعولا!!
لا تعجبوا إنْ صحتُ يوماً صحية..ووقعت ما بين " البنوك" قتيلاً
يا من يريد الانتحار وجدته..إنَّ المعلم لا يعيش طويلاً!
11-قصيدة سئمت الزمان للشريف الراضي:
الشريف الرضي ( 359- 406 ) هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى... بن جعفر الصادق، يتصل بالنسب الشريف من جهة أمه وأبيه، وأبوه الحسين كان نقيب الطالبيين، وتولى إمارة الحج والنظر في المظالم، كما لقبه بهاء الدولة البويهي بالطاهر الأوحد. وكان والده تعرض للسجن إذ زج به عضد الدولة البويهي فيه سنة 396 لما صار سلطانا، ونقله إلى إحدى القلاع بفارس، فظل فيها إلى وفاة عضد الدولة، سنة 376، حيث أطلق سراحه ابنه شرف الدولة البويهي.
وقد كان عمر الشريف الرضي حين سجن أبوه عشر سنوات، وصار - لما أطلق - نحو ست عشرة سنة: يقول الشعر، وعليه مخايل النجابة، ويتعالى بفصاحته وبلاغته، وكان نموذجا فذا في زمانه؛ فهو حصل على قدر عال من العلوم والثقافة وتتلمذ على يد كبار علماء عصره وأدبائه كالفارسي، والخوارزمي، والمرزباني وغيرهم وخلف تراثا ضخما من النثر والشعر ووجوه الثقافة المختلفة، ومنها "المجازات النبوية"، "تلخيص البيان في مجازات القرآن"،واتصل منذ وقت مبكر من حياته بالخلفاء، وبسلاطين بني بويه، وبكثير من الوزراء، وأدرك الشريف عضد الدولة الذي سجن أباه، ومدح شرف الدولة – ابنه – الذي أطلقه، وكان لا يأخذ في مقابل مديحه عطاء،وكانت وفاته سنة 406، ودفن بالكرخ ببغداد، فحزن عليه أخوه الشريف المرتضي وجزع جزعا شديدا؛ فهو لم يمد له في العمر أكثر من 45 عاما.
{قصيدة سئمت الزمان}
سَئمتُ زماناً تنتحيني صُروفـُهُ..وُثوبَ الأفاعي أو دبيبَ العقاربِ
مقام الفتى عجز على ما يضيمه..وذل الجريء القلب إحدى العجائبِ
سأركبها بزْلاءَ إما لمادح..يعدد أفعالي، وإما لنادبِ
إذا قلَّ عـزمُ المرءِ قل انتصارُهُ..وأقلع عنه الضَّيمُ دامي المخالبِ
وضاقت إلى ما يشتهي طُرقُ نفسه..ونالَ قليلاً مع كثير المعايبِ
وما بلغ المرمى البعيد سوى امرئ..يروح ويغدو عرضة للجواذبِ
وما جر ذلا مثل نفس جزوعة..ولا عاقَ عزمًا مثل خوف العواقبِ
ألا ليت شعري هل تسالمُني النوى..وتخبُو همومي من قِراع المصائب
إلى كم أذودُ العين أن يستفزَّها..وَمِيضُ الأماني، والظنون الكواذبِ
حُسدتُ على أني قنعتُ فكيف بي..إذا ما رمى عزمي مجالَ الكواكبِ
وما عِفَّة الإنسانِ إلا غباوةُ..إذا لم يكافحْ داءَ وَجْدٍ مغالِبِ!
12-معلقة امرؤ القيس:
هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة.
وقيل اسمه حندج بن حجر، والحندج: الرملة الطيبة تنبت نباتاً حسناً ومعنى امرؤ القيس: رجل الشدّة وكان يقال له: الملك الضليل، وذو القروح.
وتقول الروايات أن امرؤ القيس تابع مسيره والمرض يفت جسمه فتاً إلى أرض الروم إلى مدينة تدعى أنقرة، وقد ثقل عليه المرض فأقام بها إلى أن مات وقبر هناك وذكر أنه قال قبل موته:
رب خطبةٍ محنفرة .............وطعنة مثعنجرة
وجفنة متحيرة .............حلت بأرض أنقرة
وقيل أيضا: إنه لما كان يحتضر، رأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك، ودفنت في سفح جبل يقال له: عسيب، فسأل عنها وأخبر بقصتها فقال:
أجارتنا إن المزار قريب .............وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريب هاهنا .............وكل غريب للغريب نسيب
وكانت وفاته سنة 565م على أرجح الروايات.
{قصيدة معلقة امرؤ القيس}
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ..بِسِقْطِ الِّلوَى بيْنَ الدَّخولِ فَحَوْمَلِ
فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها..لِمَا نَسَجَتْها مِنْ جَنوبٍ وشَمْألِ
تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصاتِها..وقِيعانِها كأنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
كَأنِّي غَداةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلوا..لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ
وُقوفاً بِها صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُمُ..يَقولون لا تَهْلِكْ أَسىً وتَجَمَّلِ
وإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ مُهْراقَةٌ..فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها..وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ
إذا قامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُما..نَسيمَ الصَّبا جاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
فَفَاضَتْ دُموعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَاَبةً..عَلَى النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دمْعِي مِحْمَلِي
13-خليل مطران وقصيدة المقاطعة: خليل مطران، شاعر ورجل أعمال يعرف الربح والخسارة، راهب لا يتزوج وعاشق يتفطر قلبه غراما وهياما، إنه قديس بدوي، بقدر ما امتلك من قوة الخيال، وعرف مغامرة الرحيل والإغتراب، وتعرض لتقلبات الروح وتفجرات القلب، بقدر ما أمسك بيد قوية خيوط نفسه وقلبه، وأتقن ضبط النفس، وكبح جماع نفسه الشموس!
خلفيتان متناقضتان، وهذا هو سر قوته، وطالما كانت الكفتان متعادلتان فالشعر مختنق والحياة عقيم، حتى إذا رجحت إحداهما على الأخرى وغلبت البداوة على القداسة أو غلبت هذه تلك تفجر الشعر تفجرا وعرفت الحياة حرارة الدم أو توهج الحلم.
هو شاعر القضية لأنه لم يكن منتميا لإقليم بذاته، كان لبنانيا بحكم المولد والنشأة، أو على الأصح سوريا، فعندما هاجر إلى مصر كانت سوريا ولبنان وفلسطين والأردن بلدا واحدا، وكان مصريا بحكم الإقامة والمشاركة في الحياة الثقافية والإجتماعية بمصر، لكنه في الحقيقة لم يكن سوريا ولا مصريا، كان شاعرا مقيما في مصر وهذا ما أعفاه من الوضع المفروض على صاحبيه شوقي وحافظ، وهو وضع الشاعر الذي لابد له أن ينحاز إلى مؤسسة ما بشخصه وبشعره، فحين كان شوقي محسوبا على الخديوي، وحافظ محسوبا على الشعب، فإن مطران كان محسوبا على الشعر وحده.
أعفاه عمله الحر صحفيا وتاجرا وسكرتيرا للنقابة الزراعية عن أن يعيش من شعره، واغناه كونه غير مصري من أن يحسب على حزب من الأحزاب أو أي من القوى السياسية أو الاجتماعية ، واعفته عزوبيته من أن يعول غير نفسه، لهذا ظل مخلصا لقضيته، قادرا على تجاوز الأشكال الاجتماعية والتفصيلات اليومية، مستعدا دائما للرحيل ففرسه مؤهبة وسرجه.
قصيدته التي نطرحها ندد بها اضطهاد الأحرار وسلط قانون المطبوعات على الأفكار وهدده بسبها رئيس الوزراء حينها بنفيه من البلاد، وما درى أنها ستصبح قصيدة يترنم بها كل المنفيين وغير المنفيين أيامنا هذه من أدباء وشعراء ومثقفين، وما أكثرهم! وعنوانها "مقاطعة" ..فمن يقاطع من؟
{قصيدة مقاطعة}
شرّدوا أخيارها بحراً وبر..واقتلوا أحرارها حراً فحرا
إنما الصالح يبقى صالحاً..آخر الدهر ويبقى الشر شرا
كسروا الأقلام هل تكسيرها..يمنع الأيدي أن تنقش الصخرا؟
قطعوا الأيدي هل تقطيعها..يمنع الأعين أن تنظر شزرا؟
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها..يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا؟
أخمدوا الأنفاس ، هذا جهدكم..وبه منجاتنا منكم..فشكرا !
14-ميخائيل نعيمة وقصيدة أخي:
ولد في بَسْكنتا لبنان سنة 1889م، و أتم تعليمه الابتدائي فيها ، ثم انتقل إلى مدينة الناصرة في فلسطين ، وبعدها إلى مدينة بولتاثا في روسيا ،حيث أتيح له الاطلاع الواسع العميق على الأدب الروسي ، شعره ونثره ،ثم عاد إلى لبنان ومنها هاجر إلى أمريكا سنة 1912م، فدرس الحقوق في جامعة واشنطن .
وكان أثناء ذلك يكتب مقالات نقدية وقصصا في ((مجلة الفنون)) التي تعهدت نتاج أدباء المهجر، فراسله "نسيب عريضة" صاحب المجلة، ودعاه للقدوم إلى "نيويورك" حيث التقى مجموعة من الأدباء مثل :جبران خليل جبران ، و إيليا أبو ماضي ، وأمين الريحاني ،ونسيب عريضه ، وغيرهم فكونوا الرابطة القلمية .
اسهم في أثناء إقامته في نيويورك في نشاط الرابطة القلمية بما كان ينشره مقالات نقدية و أدبية .
ميخائيل نعيمة شخصية موسوعية جمع بين الشعر والنقد والرواية والمسرح والسيرة الذاتية ، إلا انه تميز في مجالي الشعر والنقد ، وكان فنه ولا سيما شعره صدى مخلصا لتصوراته النقدية ،ونقده دفاعا متواصلا عن المثال الأدبي الذي ارتأى فيه التحقق الجمالي .
وكان يمتلك روحا تأمليَّة ظهرت بدرجات متفاوتة في شعره ومقالاته وفي رؤيته النقدية وقد اكتسبها من ثلاث مصادر هي :
1-قرية بسكنتا التي ولد فيها .
2- أسفاره العديدة .
3-قراءته الفلسفية والدينية .
{قصيدة أَخِيْ}
أخي إن ضجَّ بعد الحرب غربيٌّ بأعمالِه..وقدَّس ذكرَ من ماتوا وعظَّم بطشَ أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمَتْ بمن دانا..بل اركعْ صامتاً مثلي بقلب خاشعٍ دامِ
لنبكي حظَّ موتانا..أخي ، إنْ عادَ بعد الحرب جنديٌّ لأوطانهْ
وألقى جسمَه المنهوكَ في أحضان خلّانهْ..فلا تطلبْ إذا ما عدت للأوطانِ خلّانا
لأنّ الجوعَ لم يترُك لنا صَحْباً نناجيهم..سوى أشباح موتانا
أخي ، إن عادَ يحرُثُ أرضهُ الفلاحُ أو يزْرع..ويبني بعد طول الهجر كوخا هدَّه المدفَعْ
فقد جفَّت سواقينا وهدَّ الذُّلُ مأوان..ولم يترك لنا الأعداءُ غرساً في أراضينا
سوى أجياف موتانا..أخي، قد تمّ ما لو لم نشأه نحنُ ما تمّا
وقد عمَّ البلاء ولو أردْنا نحنُ ما عمَّا..فلا تندُب فأُذن الغير لا تصغي لشكوانا
بل اتبعني لنحفرَ خندقاً بالرَّفش و المِعْوَلْ..نواري فيه موتانا
أخي ، من نحنُ ؟ لا وَطَنٌ ولا أهلٌ و لا جارٌ..إذا نمنا ، إذا قمنا ، ردانا الخزيُ والعارُ
لقد خمَّت بنا الدنيا كما خمَّت بموتانا..فهات الرَّفش واتبعني لنحفر خندقاً آخر نواري فيه أحيانا
|