للكاتب : عبدالله الجعيثن
[ALIGN=CENTER] إذا صدح الحب في قلب
الرجل جعله يشبه عصفوراً جميلاً يحلق في فضاء المشاعر، ويحوم حول جزيرة الغرام المسحورة، ويعود لنا من هناك بوردة، لم نرها من قبل أو بغصن رطيب غريب، أو بلحن من التغريد الفريد أودعه روحه وعواطفه وأنبل ما فيه.
وإذا صدح الحب في قَلءبِ المرأة قَلَبَها إلى عصفورة حالمة، تصدح بموسيقى العاطفة، وتحنُّ بأرقِّ القصيد، ويزداد جمالها الأصيل، وتلمع عيناها بالشوق، وتأخذنا على أجنحة عصافير الحب الرقيقة، إلى عالمِ غضّ جديد..
أيُّ ترانيم حب..؟
وأيُّ موسيقى عواطف..؟
وأيّ تغريد فريد نسمعه من فم الشاعرة التونسية "فاطمة الدريدي" حين صدح الحب الجميل في قلبها الصغير:
"بكُلِّ مرارةِ الواقعء
بحُرءقَةِ جفنيَ الدامعء
بحُمءقِ تَصَرُّفِ الأنثى
بسحءر حديثها الرائعء
أُصرِّحُ دونَ تفكيرٍ
بأَنَّكَ ضوءُ أيامي
وحَفءنَةُ عمريَ الضائعء
* *
برفءضِ حقيقتي المُرَّة
بعبء خسارتي الكبرى
بزفرة قلبها الحرَّى
سأصءرُخُ ملءَ أيامي
بشوقِ يمامةٍ حيرى
أؤكِّدُ دون تزييفٍ
بأنك صرتَ لي حرفاً
وصرتَ لحرفيَ الشعرا
* *
بِنَسءفِ عواطفي الحُبءلى
بِعُمءقِ مشاعري الثملى
أُحِسُّ بدافع مُغرٍ
يُحَوِّلُ زَهءرَ ريحاني
إلى حَقءلِ منَ الدُّفلى
ويدفعني بأن أَصبو
للحظة فرحةٍ جَذءلى
بِسَحءرِ حلاوةِ الدنيا
أُرَاهنُ أنك الأحلى!
* *
وحين تغرد عصافير الحب في القلب يجيد العاشق الاصغاء، ويغذيها بالأحلام، ويناجيها بالخيال، ويكتسب منها كنوزاً من الألحان، وأطيافاً من الحنان ويستعيد أصوات تغريدها بمختلف الأحاسيس والنبرات، فإذا تلك العصافير التي بداخله هي التي تبدع القصيد:
أحبك حتى تطفح الأرض بالحُبِّ
وحتى يغوصَ الكونُ مثلك في قلبي
وحتى أرى الحياةَ خميلة
بعينيكِ آتيها.. فتحنو على جَدءبي
وحتى أُحبَّ الناسَ.. أرثي لحُسَّدي
وارحمُ من حَيَّا بخنجره جنبي
* *
أُحبُّك أدماني المسير فلامسي
جراحي.. وصبي البرءَ في يأسها صُبِّي
وجُنَّ فهي عبر الصحاري.. فمرِّغي
لظاهُ على ينبوعك الدافق العَذءبِ
وضَيَّعتُ في الغابات طُهءرَ طفولتي
فرُدِّي ضميرَ الطفل في أضلع الذئبِ
وبعثرتُ حلمي في الدياجي.. فضوِّ أي
دروبي بحلمٍ يزرع الشمسَ في الدربِ
* *
أُحبُّكِ.. يبقى الحُبُّ إذء تُقءفرُ الدُّنَى
وإذ ترتمي الأمجادُ تُرءباً على التُّرءبِ
ويبقى حديثُ الحُبِّ في كُلِّ موسِمٍ
ربيعاً من النعماءِ والطيب والخصءبِ
وتبقى قوافي الحُبِّ إذء يعبثُ البلى
بمنء علَّقوا قيساً على آلةِ الصَّلءبِ (1)
* *
حتى لوعة الحب.. وأساه.. وشجاه.. يسيلُ جمالاً وتغريداً يُشَنِّفُ الأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب:
"أُلاقي من عذابكَ ما أُلاقي
وحُبُّكَ في حنايا القلب باقي
وتُسءرفُ في الصدود وفي التجنِّي
وأسرف في التياعي.. واشتياقي
ولو يدري فؤادُكَ ما أُعاني
وما ألقاهُ من أَلمِ الفراقِ
لما أَمءعَنءتَ في هذا التجافي
ولا أذللتَ من دمعي المُراقِ
ولكنِّي كتمتك هولَ مابي
وما زالَ التجلُّدُ من خَلاقي
فلو زَعَمَ العواذلُ بي سُلُوًّا
فكُلُّ حديثهم مَحض اختلاق
وما أُبدي لهم غيرَ التأسِّي
وإن كانت ضلوعي في احتراقِ
وكم حسبوا عناني جدَّ طَلءقٍ
وقلبي جدُّ مشدودِ الوثاق
وأخشى أن يُقَالَ صريعُ شوقٍ
يُلاقي في المحبة ما يُلاقي
* * *
وانهل من لمى ذكراك عَذءباً
أَعَلُّ به ووَهءمُ رضاكَ ساقِ
ويبسُطُ لي الخيالُ ظلالَ أُنءسٍ
أعيشُ بهم إلى يوم التلاقي (2).
* *
يقول فرويد "إن تفسير الأحلام هو أجمل طريق يؤدي إلى معرفة اللاشعور" ونعتقد أن هنالك ما هو أجمل من هذا الطريق، وهو أن يقع الإنسانُ في الحب.. وأن يكون حبه صادقاً صادراً من الأعماق، هنا يتلألأ اللاشعور ويُعبِّرُ عن نفسه بنفسه، وبلا حاجة إلى مُحَلِّلٍ أو وسيط.. الأكثر جمالاً هنا أن الحب إذا مَسّ الإنسان بطيفه الساحر كشف عن رقةٍ متناهية، وإنسانيةٍ وجمال في أعماق اللاشعور:
"من أيِّ نَبءعٍ رائقٍ يفيضُ حُبُّنا
يغمرنا سعادةً كأننا طفلانء
لم نعرف التجوالَ في الزمانء
أيُّ نسيم ناعمٍ هذا الحنانء
وأي كأسٍ حلوةٍ تلك التي نذوقُها
حين تُطِلُّ من عيوننا قلوبُنا المُجَنَّحَة
تبحثُ في الأحداق عن طعامها ومائها
ثم تنامُ في أمانء
وأَيُّ كونٍ طيِّب يحيطُنا
حينَ نكونُ وحدَنا معا
أيُّ كمالٍ لم يُشَاهدء مثلُهُ أيُّ جمالء؟
الله عادلٌ بنا، والكونُ خيرٌ ما يزالء
والناسُ شفافونَ كالخيالء
وأنت يا لؤلوتي المنوِّرة
أنقى من الظلال"
* *
"الحبُّ يا حبيبتي أغلى من العيونء
صونيه في عينيك واحفظيهء
الحبُّ يا حبيبتي مليكنا الحنونء
كوني له مطيعةً سميعهء
الحبُّ يا حبيبتي هدية الحياة لي، ولكء
لمُتءعَبَينِ حائرين في السنينّ
الحُبُّ يا حبيبتي فردوسُنا الأمين
حين تؤودُ ظهرَنا الأيامء
وتنتهي رحلتُنا لشاطئ المنون
نذوبُ في هوائِهِ مهللينَ باسمين
كأننا لحون.." (3).
* *
صفاءٌ غريب يسود العاشقين.. صفاء يخرج عن هذا العالم المليء بالتشاحن.. والضجيج.. صفاءٌ حقيقي يزيل المجاهل عن لا شعور الإنسان فإذا به أبيض.. نقي.. يرى الناس.. والحياة.. بدون عُقَد.. ولا كراهية.. ولا تكالُبَ هناك.. صفاءٌ صفاء.. صفاء أبيض.. مطلق.. يسطع بحقيقة جميلة، وهي أن الحب هو سبيلنا، نحن البشر، نحو التآخي والتسامح والسلام، نحو التسامي والتعاون الجميل، ونحو الرضا الداخلي العميق..
النفاذ إلى أعماق أي عاشق.. يدلنا على أن الحب ثروتنا.. ثروتنا الجميلة نحن البشر.. إنه يسعدنا.. يمتعنا.. ويسمو بنا على الترهات.. والخلافات.. والصغائر.. إن العاشق الصادق في عالم آخر.. عالم جميل رغم ما قد يكون فيه من شجن.. وعالم صافٍ رقيق لا يقبل الكدر.. عالم آخر وهَّاج بصفائه.. معطاء ببياض سريرته.. ونافذ ببصيرته إلى القيمة السامية للحب.. والتي تفوق ما يتقاتل عليه الناس ثم ينجلي عن سراب يخيب الآمال..
ـــــــــــ
(1) غازي القصيبي، ديوان (أنتِ الرياض)
(2) عبدالله الفيصل، ديوان (وحي الحرمان).
(3) صلاح عبدالصبور، ديوان (أخلاق الفارس القديم)
----------------- القادم[/ALIGN]
التعديل الأخير تم بواسطة القادم ; 03-05-2003 الساعة 01:37.